عليخان المدني الشيرازي

892

الحدائق الندية في شرح الفوائد الصمدية

هذا مذهب الجمهور ، وذهب أبو علي والشلوبين وابن هشام الخضراويّ إلى التزام الإفراد ، لأنّ العرب التزمته في كلّ تمييز منصوب عن عدد أو كناية ككم الاستفهاميّة وكأيّن وكذا ، وردّ بأنّ ذلك فيما يجب نصبه ، لا فيما يجوز نصبه وجرّه . وهل يجوز جرّه مع الفصل بظرف أو مجرور ؟ مذاهب ، أصحّها لا ، لما فيه من الفصل بين المتضايفين ، وذلك ممنوع إلا في ضرورة كقوله [ من الرمل ] : 998 - كم بجود مقرف نال العلى * وكريم بخله قد وضعه « 1 » الثاني : نعم ، وعليه يونس ، بناء على رأيه من جواز الفصل بين المتضايفين في السعة بذلك ، والكوفيّون بناء على رأيهم أنّ الجرّ بمن مقدّرة ، وإنّما جوّزوا عمل الجارّ المقدّر هاهنا ، وإن كان في غير هذا الموضع نادرا ، لكثرة دخول من على مميّز الخبريّة ، نحو : كَمْ مِنْ مَلَكٍ [ النجم / 26 ] ، وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ [ الأعراف / 4 ] ، والشيء إذا عرف في موضع جاز تركه لقوّة الدلالة عليه « 2 » . والثالث : الجواز ، إن كان الظرف أو المجرور « 3 » ناقصا ، وهو ما لا يفهم بمجرّد ذكره وذكر معموله ما يتعلّق به ، نحو : كم بك مأخوذ أتاني ! وكم اليوم جائع جاءني ! والمنع إن كان تامّا . وعزا الأندلسيّ هذا القول إلى يونس ، وردّ بأنّ العرب لم تفرق بين الظرف التامّ والناقص في الفصل ، بل تجريهما مجرى واحدا ، ومن الفصل بالمجرور التّامّ قوله [ من الكامل ] : 999 - كم في بني سعد بن بكر سيّد * ضخم الدّسيعة ماجد نفّاع « 4 » فإن كان الفصل بجملة لم يجز الجرّ في كلام ولا شعر عند البصريّين ، لأنّ الفصل بالجملة بين المتضايفين لا يجوز ألبتّة ، وجوّزه الكوفيّون بناء على أنّ الجرّ بمن لا بالإضافة ، وجوّزه المبرّد في الشعر فقط ، وروي قوله [ من البسيط ] : 1000 - كم نالني منهم فضل على عدم * . . . « 5 »

--> ( 1 ) - البيت لأنس بن زنيم . اللغة : المفرف : النّذل اللئيم الأب . ( 2 ) - يذهب البصريّون إلى أنّ كم الخبريّة هي العاملة فيما بعدها الجرّ ، أي تضاف إلى مميّزها ، والكوفيّون إلى أنّ جرّ المميّز بمن المقدّرة ، يقول أبو البركات الأنباري : والّذي يدلّ على فساد ما ذهب الكوفيّون إليه أنّ حرف الجرّ لا يجوز أن يعمل مع الحذف ، إلا ربّ بعد الواو والفاء وبل . الإنصاف في مسائل الخلاف ، 1 / 307 . ويقول الزمخشريّ : والخبريّة مضافة إلى مميّزها ، عاملة فيه عمل كلّ مضاف في المضاف إليه ، فإذا وقعت بعدها « من » ، وذلك كثير في استعمالهم ، منه قوله تعالى ، وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ ، كانت منوّنة في التقدير ، كقولك : كثير من القري ومن الملائكة ، وهي عند بعضهم منوّنة أبدا ، والمجرور بعدها بإضمار « من » . المفصّل في صنعة الإعراب ص 221 . ( 3 ) - إن كان الظرف أو المجرور سقط في « ط » . ( 4 ) - هو للفرزدق اللغة : الدسيعة : العطية أو الجفنة ، النفّاع : صيغة مبالغة من النفع . ( 5 ) - تقدم برقم 995 .